سيد محمد طنطاوي

209

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله : * ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه . ) * هم الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم ، وإنما أراد بهم أن يكونوا مع الاجتناب والإنابة على هذه الصفة . . . وأراد أن يكونوا نقادا في الدين ، مميزين بين الحسن والأحسن ، والفاضل والأفضل ، فإذا اعترضهم أمران : واجب ومندوب ، اختاروا الواجب . . . فهم حريصون على فعل ما هو أكثر ثوابا عند اللَّه . . وقيل : يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن . وقيل : يستمعون أوامر اللَّه فيتبعون أحسنها . نحو القصاص والعفو ، والانتصار والإغضاء . . وعن ابن عباس : هو الرجل يجلس مع القوم فيسمع الحديث فيه محاسن ومساوئ ، فيحدث بأحسن ما سمع ، ويكف عما سواه . « 1 » . ويبدو لنا أن هذا القول الأخير المأثور عن ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - هو أقرب الأقوال إلى الصواب ، لأنه هو الظاهر من معنى الجملة الكريمة . وقوله - سبحانه - : * ( أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّه وأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبابِ ) * ثناء آخر من اللَّه - تعالى - على هؤلاء المؤمنين الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت ، وأخلصوا للَّه - تعالى - العبادة . أي : أولئك الذين هداهم اللَّه - تعالى - إلى دينه الحق ، وإلى الصراط المستقيم ، وأولئك هم أصحاب العقول السليمة ، والمدارك القويمة ، والقلوب الطاهرة النقية . . قال الآلوسي : وفي الآية دلالة على حط قدر التقليد المحض ، ولذا قيل : شمر وكن في أمور الدين مجتهدا ولا تكن مثل عير قيد فانقادا واستدل بها على أن الهداية تحصل بفعل اللَّه - تعالى - وقبول النفس لها . . . « 2 » . ثم بين - سبحانه - أن من أحاطت به خطيئته ، لن يستطيع أحد إنقاذه من العذاب . فقال - تعالى - * ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْه كَلِمَةُ الْعَذابِ ، أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) * . والاستفهام للنفي ، والتقدير : أفمن وجب عليه العذاب بسبب إصراره على كفره حتى النهاية ، أفتستطيع أنت - أيها الرسول الكريم - أن تنقذه من هذا المصير الأليم ؟ لا - أيها الرسول الكريم - إنك لا تستطيع ذلك . لأن من سبق عليه قضاؤنا بأنه من أهل النار ، بسبب استحبابه الكفر على الإيمان لن تستطيع أنت أو غيرك إنقاذه منها .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 121 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 23 ص 253 .